أحاديث مصير أبوي النبي ﷺ

حَدِيثُ أَبِي النَّبِيِّ ﷺ:

جَاءَ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ: أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ «فِي النَّارِ». قَالَ: فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: «إِنَّ ‌أَبِي ‌وَأَبَاكَ ‌فِي ‌النَّارِ».
وَهَذَا مِنْ أَصَحِّ أَسَانِيدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.

فِإنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ أَرْوَى عَن أَنَسٍ مِنْ ثَابِتٍ وَلَا أَرْوَى عَن ثَابِتٍ مِنْ حَمَّادٍ.
وَخَالَفَهُ مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ بِهِ، فَلَمْ يَذْكُرْ: «إِنَّ ‌أَبِي ‌وَأَبَاكَ ‌فِي ‌النَّارِ»، وَلَكِنْ قَالَ لَهُ: «إذَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ».
وَمَعْمَرٌ يَضْطِرِبُ فِي حَدِيثِ ثَابِتٍ. كَمَا قَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ.
قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: ‌مَنْ ‌خَالَفَ ‌حَمَّادَ ‌بْنَ ‌سَلَمَةَ ‌فِي ‌ثَابِتٍ، ‌فَالْقَوْلُ ‌قَوْلُ ‌حَمَّادٍ.
وقال ابْنُ المَدِينِيُّ: لَمْ ‌يَكُنْ ‌فِي ‌أَصْحَابِ ‌ثَابِتٍ ‌أَثْبَتَ ‌مِنْ ‌حَمَّادِ ابْن سَلَمَةَ.
فَلَا سَبِيلَ لِمَنْ ضَعَّفَ هَذَا الحَدِيثَ إلَّا الغُلُوُّ وَالجَهْلُ وَالتَعَنُتُ.

وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ:

رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللَّهِ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ كَانَ حَوْلَهُ فَقَالَ: «‌اسْتَأْذَنْتُ ‌رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ الْآخِرَةَ».
وَيَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ، وَوَثَّقَهُ قَوْمٌ، وَلَمْ يَأْتِ بِمَا يُسْتَنْكَرُ، وَمَا رَوَاهُ لَهُ أَصْلٌ.
قَالَ يَحْيَى القَطَّانُ: هُوَ صَالِحٌ وَسَطٌ، لَيْسَ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَمَحِلُّهُ السَتْرُ، صَالِحُ الحَدِيثِ، لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ.
وَأَدْخَلَهُ البُخَارِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ، فَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُحَوَّلُ مِنْهُ.
وَوَثَّقَهُ قَوْمٌ: قَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ، وَالنَسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ: ثِقَةٌ. وَمَشَّاهُ ابْنُ عَدِيٍّ.
فمن أختلف فيه وَثَّقَهُ وَوَثَّقَهُ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ، وَلَمْ يَأْتِ بِمَا يُسْتَنْكَرُ، وَمَا رَوَاهُ لَهُ أَصْلٌ، قُبِلَ مَرْوِيُّهُ.
لِذَا صَحَّحَهُ مُسْلِمٌ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَبُو دَاوُدَ فَصَدَّرَ بِهِ بَابَ زِيَارَةِ القُبُورِ، وَانْتَخَبَهُ النَّسَائِيُّ فِي الصُّغْرَى. وَسَكَتَ عَنْهُ فِي الكُبْرَى وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ اخْتِلَافَا وَهُوَ عَادَتُهُ فِيمَا لَا يُعِلُّهُ.

وَرَوَاهُ ‌فُلَيْحُ ‌بْنُ ‌مُحَمَّدٍ ‌الْيَمَانِي، ‌حَدَّثَنَا ‌سَعِيدُ ‌بْنُ ‌أَبِي ‌سَعِيدٍ ‌الْمَقْبُرِيُّ، ‌حَدَّثَنِي ‌أَبِي ‌عَنْ ‌جَدِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، نَحْوُهُ.
‌فُلَيْحُ: مَجْهُولٌ.
وَرَوَاهُ ‌سُفْيَانُ ‌الثَّوْرِيِّ، ‌عَنْ ‌عَلْقَمَةَ ‌بْنِ ‌مَرْثَدٍ، ‌عَنْ ‌سُلَيْمَانَ ‌بْنِ ‌بُرَيْدَةَ، ‌عَنْ ‌أَبِيهِ، بِنَحْوِهِ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ. وَاحْتَجَّ بِهِ البَزَّارُ. وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيَشْهَدُ لَهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، أَنْبَأَنَا ‌ابْنُ ‌جُرَيْجٍ، ‌عَنْ ‌أَيُّوبَ ‌بْنِ ‌هَانِئٍ، ‌عَنْ ‌مَسْرُوقِ ‌بْنِ ‌الْأَجْدَعِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، نَحْوُهُ.
وَهُوَ مَعْلُولٌ، بِالانْقِطَاعِ.
قال ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: ‌حُدِّثْتُ ‌عَنْ ‌مَسْرُوقِ ‌بْنِ ‌الْأَجْدَعِ، ‌عَنِ ‌ابْنِ ‌مَسْعُودٍ.
وَاسْتَنْكَرَ ابْنُ مَعِينٍ وَصْلَهُ عَنِ ‌ابْنِ ‌جُرَيْجٍ، وَقَالَ: ‌هَذَا ‌فِي ‌كُتُبِ ‌ابْنِ ‌جُرَيْجٍ ‌مُرْسَلٌ.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي مَنَاكِيرِ ‌أَيُّوبَ ‌بْنِ ‌هَانِئٍ، وَقَالَ: ‌لَا ‌أَعْرِفُهُ، ‌ولَا ‌يَحْضُرْنِي لَهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَمَعَ هَذَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ.

وَفَرْقٌ بَيْنَ تَضْعِيفِ الإسْنَادِ وَالاحْتِجاَجُ بالمتن، فَمَا دَامَ المَتْنُ أَصْلُهُ صَحِيحًا فَيُحْتَجُّ بِهِ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ عِيْسَى الأَهْوَازِيِّ، ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، ثَنَا فُضَيلٌ، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ: مُرْسَلًا.
وَهَذَا مُرْسَلٌ لَا بَأْسَ بِهِ. وَلَهُ ‌أَصْلٌ ‌محفوظٌ، وَإنَّمَا يُخْشَى مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ إذَا كَانَ ‌عَنْ ‌أَبِي ‌سَعِيدٍ ‌الْخُدْرِيِّ.
وَرَوَاهُ آدَمُ ‌بْنُ ‌أَبِي ‌إِيَاسٍ، نَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ: إِنَّ فُلَانًا يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ الْمُشْرِكَيْنِ، قَالَ: «وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُ لِآبَائِنَا الْمُشْرِكِينَ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {‌مَا ‌كَانَ ‌لِلنَّبِيِّ ‌وَالَّذِينَ ‌آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} إِلَى قَوْلِهِ {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} فَأَمْسَكُوا عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ.

وَمَرَاسِيلُ الحَسَنِ صَحَّحَهَا الكِبَارُ ابْنُ المَدِينِيُّ وَابْنُ مَعِينٍ وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيّ أَحْمَدَ فِي الاحْتِجَاجِ بِهَا وَصَحَّحَهَا أَبُو زُرْعَةَ.
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِى أَبِي، قَالَ: ثَنِى عَمِّي، قَالَ: ثَنِى أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَن رَسُول الله ‌أَرَادَ ‌أَنْ ‌يسْتَغْفر ‌لِأُمِّهِ ‌فَنَهَاهُ ‌اللهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ اللهِ اسْتَغْفَرَ لِأَبِيهِ فَأنْزَلَ اللهُ: {وَما ‌كانَ ‌اسْتِغْفارُ ‌إِبْراهِيمَ ‌لِأَبِيهِ ‌إِلَاّ ‌عَنْ ‌مَوْعِدَةٍ ‌وَعَدَها ‌إِيَّاهُ}.
مُحَمَّدُ ‌بْنُ ‌سَعْدِ ‌بْنِ ‌مُحَمَّدِ ‌بْنِ ‌الْحَسَنِ ‌بْنِ ‌عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ.
وَهَذَا إسْنَادٌ مُسَلْسَلٌ بِالضُّعَفَاءِ، وَالمُرْسَلُ أَصَحُّ.

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَبِرَيْدَةُ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ أَتَى قَبْرَ أُمِّهِ آمِنَةَ ‌فَوَقَفَ ‌عَلَيْهِ ‌حَتَّى ‌حَمِيَتِ ‌الشَّمْسُ رَجَاءَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَيَسْتَغْفِرَ لَهَا فَنَزَلَتْ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} الْآيَةَ.
وَاحْتَجَّ بِهِ البَغَوِيُّ، وَهُوَ لَا يُخْرِجُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَّا مَا صَحَّ عِنْدَهُ.

وَقَالَ ‌مُقَاتِلُ ‌بْنُ ‌سُلَيْمَانَ: {ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} بِمِثْلِ مَا جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبِرَيْدَةَ.
وَرَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: ‌جَاءَ ‌ابْنَا ‌مُلَيْكَةَ ‌وَهُمَا ‌مِنَ ‌الْأَنْصَارِ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّنَا تَحْفَظُ عَلَى الْبَعْلِ، وَتُكْرِمُ الضَّيْفَ، وَقَدْ وَأَدَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَيْنَ أُمُّنَا؟ قَالَ: «أُمُّكُمَا فِي النَّارِ» فَقَامَا وَقَدْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا فَدَعَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ فَرَجَعَا فَقَالَ: «إِنَّ أُمِّي مَعَ أُمِّكُمَا».
مُنْكَرٌ: عُثْمَانُ بْنُ عُمَيْرٍ: قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: ‌لَيْسَ ‌حَدِيثُهُ ‌بِشَيْءٍ.

الحَاصِلُ مِنْ ذَا كُلِّهِ؛ أَنَّ السَّلَفَ عَلَى أَنَّ أَبَوَيْهِ فِي النَّارِ.
وَقَدْ صَحَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبِرَيْدَةَ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الحَسَنِ، وَعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَالبَغَوِيِّ.

فَائِدَةٌ: يَنْبَغِي عَلَى المُتَكَلِّمِ فِي الأَحَادِيثِ أَنْ لَا يَحْكُمَ عَلَيْهَا لِمُجَرَّدِ النَظَرِ فَي الأَسَانِيدِ دُونَ النَّظَرِ فِي عَمَلِ السَّلَفِ بِهَا وَمَا يَنْتَشِرُ عَنْهُم فِي مُقْتَضَاهَا.

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة